اتفاق "4+4" حول المسار الانتخابي في ليبيا.. قراءة في ردود الفعل وتحديات التنفيذ
مقدمة
وقع أعضاء لجنة 4+4 المصغرة، الاتفاق النهائي الخاص بـ المسار الانتخابي في خريطة الطريق الأممية للحل السياسي في ليبيا، وذلك خلال مراسم أقيمت بمقر البعثة الأممية في ليبيا. وحضر مراسم التوقيع عدد من رؤساء البعثات الدبلوماسية لدى ليبيا، وأعضاء من مجلسي النواب والدولة، في غياب رؤساء مجالس النواب والدولة والرئاسي. وافتتحت رئيسة البعثة الأممية " هانا تيتيه "، مراسم التوقيع، مؤكدةً أن هده الاتفاق هو تهيئة الظروف لإجراء الانتخابات ضمن إطار زمني واضح وغير قابل لـ التمديد، ومشيرة إلى أن الانتخابات تمثل جزءاً من عملية سياسية أوسع تشمل تفعيل المؤسسات ومعالجة ملفات الحوكمة والخدمات الأساسية والإصلاحات الاقتصادية .
أهم بنود الاتفاق
تضمنت بنود الاتفاق التوافق على تعيين رئيس جديد لـ المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، واعتماد أعضائه الستة من مجلسي النواب والدولة، مع توصية بتعيين " ضو إبراهيم الهمالي " رئيسا و" سناء المشاي " نائبةً له. وفي شأن الانتخابات الرئاسية، اتفق أعضاء اللجنة على اعتماد القانون رقم 28 لسنة 2023 الصادر عن مجلس النواب أساساً لإجرائها، مع تعديل شروط الترشح بما يسمح لـ مزدوجي الجنسية بخوض الانتخابات، على أن يتخلى الفائز عن جنسيته غير الليبية قبل أداء اليمين الدستورية. كما تتيح المقترحات مشاركة العسكريين في الانتخابات الرئاسية، مع ضمان حياد المؤسسة العسكرية.
أما الانتخابات البرلمانية، فنص الاتفاق على اعتماد القانون رقم 10 لسنة 2014 أساساً لإجرائها، والذي يقوم على الانتخاب الفردي في الدوائر، مع السماح لـ الأحزاب بالمشاركة من خلال مرشحين أفراد بدلاً من الترشح عبر قوائم حزبية. وقد خول الاتفاق للبرلمان الجديد المنتخب سلطة معالجة مسألة الدستور الدائم بما في ذلك اعتماده، على أن يكون متنقلًا بين مدن طرابلس وبنغازي وسبها بحيث تعقد جلساته دوريًا فيها. وحدد الاتفاق سقفاً زمنياً لا يتجاوز 24 شهراً لإجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية، في ظل " سلطة تنفيذية واحدة ومؤسسات وطنية موحدة ".
كما نص الاتفاق على إقرار الاتفاق وطنياً من خلال آلية واسعة التمثيل تمنحه صفة الوثيقة الدستورية، مع إمكانية اللجوء إلى مجلس الأمن لضمان الالتزام به إذا لم يتمكن مجلسا النواب والدولة من المصادقة عليه خلال شهر من تاريخ التوقيع .
ردود الفعل
في أولى ردات الفعل الليبية على الاتفاق، أعلن رئيس حكومة الوحدة الوطنية " عبد الحميد الدبيبة " ترحيبه بتوقيع الاتفاق والذهاب نحو الانتخابات. كما رحبت " القيادة العامة " في بنغازي بـ الاتفاق، معتبرةً إياه خطوة مهمة نحو إزالة العراقيل التي حالت طويلًا دون إجراء انتخابات رئاسية وتشريعية متزامنة في أقرب وقت ممكن. وفي السياق ذاته، رحب رئيس الحكومة المكلفة من البرلمان " أسامة حماد " بالاتفاق، داعيًا إلى استكمال باقي مخرجات لجنة (4+4) بشكل عاجل. فيما تجاهل رئيس مجلس النواب " عقيلة صالح " إبداء موقفه بشكل واضح، مع تأكيده بشكل عام التزامه بالتفاهمات الرامية إلى إنهاء الانقسام وتحقيق الاستقرار، مشترطًا توافقها مع الإعلان الدستوري والتشريعات النافذة والاتفاق السياسي، مع إشارته إلى عرض الاتفاق على مجلس النواب لاتخاذ موقف بشأنه .
وكان المجلس الأعلى للدولة قد أ علن اعتذاره عن عدم حضور مراسم توقيع الاتفاق، مؤكدًا أنه لم يكن طرفًا في الاجتماعات ومخرجاتها، ومشددًا على أن تنفيذ أي تفاهم سياسي يقتضي وضوح أساسه القانوني والدستوري واحترام اختصاص المؤسسات والتوافق الوطني، مجددًا تمسكه باتفاق الصخيرات وما تلاه من تفاهمات ومسارات أممية وقرارات دولية باعتبارها إطارًا لـ العملية السياسية، ومؤكدًا أن الترحيب الدولي بأي مخرج لا ينشئ بذاته شرعية دستورية أو أثرًا قانونيًا. وفي الوقت نفسه، أكد استعداده لـ الحوار مع مجلس النواب وسائر القوى والأحزاب الوطنية للتوافق على مسار انتخابي واضح وقابل للتنفيذ .
وفي خطوة معارضة للاتفاق، أصدر رئيس المجلس الرئاسي " محمد المنفي " مرسومًا بإعادة تشكيل مجلس المفوضية، بخلاف الشخصيات التي اختارها اتفاق لجنة (4+4)، معتبرًا أن مخرجات اللجنة تفتقر إلى الشرعية والتوافق وقابلية التنفيذ، وأن الأطراف المشاركة فيها كانت جزءًا من أسباب الأزمة، داعيًا البعثة الأممية إلى الالتزام بدورها كـ ميسر لمسار يملكه الليبيون . وفي المقابل، أكد عضو المجلس الرئاسي " موسى الكوني "، خلال كلمته أثناء مراسم توقيع الاتفاق، أن نجاح الاتفاق يقاس بما يُنفذ منه، داعيًا إلى إحالة مخرجاته إلى المؤسسات المختصة لاعتمادها وتنفيذها وفق الأطر الدستورية . كما أعلن رفضه القاطع لـ المرسوم الذي أصدره المنفي، معتبرًا أنه يمثل مسارًا منفردًا ومضادًا للاتفاق .
وفي سياق متصل، طالب 57 حزباً سياسياً ليبياً، البعثة الأممية بإشراك الأحزاب في أي مشاورات تتعلق بالنظام الانتخابي، محذرةً من أن العودة إلى نظام يستبعد القوائم الحزبية تمثل تراجعًا جوهريًا عن مسار التعددية السياسية والحزبية ومأسسة الحياة السياسية . أخيرًا، على المستوى الدولي، أعلنت تسع دول، هي فرنسا وإيطاليا وألمانيا واليونان وهولندا وإسبانيا وسويسرا وبريطانيا والولايات المتحدة، في بيان مشترك، ترحيبها بالاتفاق، وحثت الأطراف الليبية على دعمه وتنفيذه .
تحديات وإشكاليات
يمثل توقيع الاتفاق النهائي الخاص بـ المسار الانتخابي في خريطة الطريق الأممية تطورًا إيجابيًا ونوعيًا، حيث تضمن بنودًا محددة ومفصلة لآلية الوصول لـ الانتخابات، وليس مجرد شعارات أو بنود عامة غير عملية. ومع ذلك، يثير الاتفاق عددًا من الإشكاليات ويواجه مجموعة من التحديات، يمكن تناولها على النحو التالي:
أولًا، فيما يتعلق بردود الفعل، وبعيدًا عن مضمون الاتفاق، فإن غياب التوافق المؤسساتي حوله، في ظل معارضة مجلسي الدولة والرئاسي وتردد مجلس النواب بـ موقفه الفضفاض، يمثل نقطة ضعف جوهرية قد تعيق تنفيذه. وهو ما يضع عبئًا إضافيًا على البعثة الأممية لتقليص الفجوة ورأب الصدع مع هذه الأطراف، بما يضمن توفير بيئة داخلية مواتية لتنفيذ الاتفاق، خاصة في ظل الحاجة إلى اعتماده من مجلسي النواب والدولة. كما يلاحظ أن الأطراف الأكثر تحفظًا على الاتفاق، بدرجات متفاوتة، وهي مجالس الدولة والنواب والرئاسي، هي ذاتها التي أبدت تحفظًا على المبادرة الأمريكية، وهو ما دفعها إلى طرح مبادرة " الرئاسات الثلاث ". في المقابل، فإن الأطراف الأكثر انخراطًا ودعمًا للاتفاق هي القيادة العامة وحكومة الوحدة الوطنية، وهما الطرفان اللذان ترتكز عليهما المبادرة الأمريكية، من خلال ترتيب لتقاسم السلطة بينهما.
وفي هذا السياق، أشارت بعض التقارير إلى أن الشخصيات التي اختيرت للجنة 4+4 والممثلة لحكومة الدبيبة والقيادة العامة، هي نفسها التي توسط بينها مسعد بولس للتفاوض بشأن تشكيل سلطة موحدة. وأن اختيار ممثلين عن مجلسي النواب والدولة جاء فقط لأن البعثة لا تستطيع الاستغناء عنهما، إذ ستحتاج لمصادقتهما على الاتفاق، ولذلك اختارت ممثلي المجلسين دون الرجوع إليهما. فهل يعكس كل ذلك وجود تقاطع أو قدر من التنسيق بين المبادرة الأمريكية والخطة الأممية، أم أنه مجرد تزامن غير مقصود؟
وإذا كانت هناك مساحات تتقاطع فيها المبادرة الأمريكية مع الخطة الأممية، فإن نقطة الاختلاف الرئيسية بينهما تبدو في الغاية النهائية لهذه الترتيبات. فـ المسار الأمريكي، وفق ما يتداول من تسريبات، يتعامل مع الحكومة الموحدة وإعادة تشكيل المجلس الرئاسي وتوحيد المؤسسة العسكرية باعتبارهم جوهر التسوية السياسية، مع تأجيل الانتخابات لمرحلة لاحقة، وانطلاقًا من مقاربة تقوم على استيعاب مراكز القوى القائمة في الشرق والغرب والتكيف معها.
أما المسار الأممي، فيتعامل مع هذه الملفات باعتبارها أدوات لتهيئة البيئة السياسية والأمنية اللازمة لإجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية وإنهاء المرحلة الانتقالية. وبينما تسعى البعثة الأممية إلى استغلال ما تحقق من تقدم في بعض المسارات التي حظيت بدعم أمريكي، وفي مقدمتها الاتفاق التنموي الموحد والتقدم البطيء في ملف توحيد المؤسسة العسكرية، إلى جانب الحكومة الموحدة المرتقبة، والبناء عليه لتعزيز فرص نجاح خطتها في إجراء الانتخابات. فقد تسعى الولايات المتحدة، في المقابل، إلى توظيف التقاطع أو ربما التنسيق مع البعثة الأممية لإضفاء قدر من الشرعية الدولية على ترتيباتها السياسية في هذا الإطار.
وفيما يتعلق بردود الفعل أيضا، وبالأخص الخارجية منها، يلاحظ أنه في مقابل الترحيب والدعم الأوروبي والأمريكي للاتفاق، لم يصدر عن أبرز الأطراف الإقليمية، وفي مقدمتها مصر وتركيا، أي موقف واضح تجاهه. ويثير هذا الغياب تساؤلات حول دوافعه، خاصة أن الاتفاق، في ظاهره، لا يتضمن بنودًا أو ترتيبات تتعارض مع الطروحات التي تبنتها هذه الدول تجاه الأزمة الليبية طيلة الفترة الماضية.
وفي هذا السياق، تبرز عقبة أخرى، وهي تضارب مصالح القوى الإقليمية والدولية، حتى تلك التي رحبت بالاتفاق، فتنفيذه سيظهر حقيقة هذه المواقف، إنه محطة الاختبار الحقيقية. خاصة وأن كثير من القوى الإقليمية والدولية تستفيد من الوضع القائم، إذ يوفر لها الانقسام الليبي الحالي بيئة مواتية لتحقيق مصالحها. في حين بناء مؤسسات منتخبة سيضع قيود على قدرة هذه القوى على تحقيق مصالحها، كما سيغير من خريطة الفاعلين والتحالفات في المشهد الليبي، بشكل قد يضر بمصالح هذه القوى.
ثانيًا، وتخوفًا من عدم اعتماد المجلسين للاتفاق، وضعت البعثة مخرجًا، بـ تمريره من خلال مجلس الأمن. وصحيح أن ذلك سيسهم، من ناحية إيجابية، في تجاوز عرقلة الاتفاق من قبل المؤسسات الليبية الرسمية المتصارعة، لكنه من ناحية أخرى سيُصور الحل الأممي باعتباره حلًا مفروضًا من الخارج، يفتقر إلى الدعم والتوافق المؤسسي والوطني الليبي. كما أن هناك إشكالية أخرى في هذا السياق، ترتبط بطبيعة دور مجلس الأمن، هل سيقتصر على الإحاطة بالاتفاق ودعمه سياسياً، أم أن البعثة ستسعى حينها إلى منحه غطاءً دولياً ملزماً عبر طرحه لـ التصويت في صورة قرار رسمي من المجلس؟ وتكمن إشكالية السيناريو الأول في محدودية قدرة الأمم المتحدة على تحصين الاتفاق وضمان تنفيذه، إذ سيظل نجاحه رهناً بمدى التزام الأطراف الليبية به.
أما السيناريو الثاني فـ تتمثل أزمته في احتمال لجوء روسيا إلى استخدام حق النقض (الفيتو) لعرقلة تمرير الاتفاق، وهو ما قد يدفع البعثة الأممية إلى الدخول في مفاوضات مع الجانب الروسي، الذي يُرجح أنه لن يمنح الاتفاق دعمه داخل مجلس الأمن ما لم يضمن اعترافًا بدوره ومصالحه في ليبيا. وإن كانت هناك بعض التقديرات التي تشير إلى أن روسيا، بحكم موافقة حليفها الاستراتيجي في الشرق على الاتفاق، فإنها على الأرجح لن تستخدم الفيتو. ويتم الإشارة في هذا السياق لزيارة صدام حفتر الأخيرة لروسيا، ولقاءه بالرئيس " فلاديمير بوتين"، باعتبارها زيارة تضمن جدول أعمالها التنسيق بين الجانبين في هذا الملف " اتفاق لجنة 4+4 ".
ثالثًا، إشكاليات وتحديات حول المضمون، أهمها مدى القدرة على ضمان حياد المؤسسة العسكرية مع ترشح العسكريين، في ظل هيمنة القيادة العامة في الشرق، وفوضى التشكيلات المسلحة في الغرب. بالإضافة لعقبة اشتراط إجراء الانتخابات في ظل " سلطة تنفيذية واحدة "، فلم تقترح، على سبيل المثال، تشكيل لجنة عليا للإشراف على الانتخابات، وهو ما سيجعل مهمة البعثة عسيرة، إلا إذا تماهت مع المقترح الأمريكي ببقاء الدبيبة على رأس الحكومة الموحدة، وهو ليس مستبعدًا، لكن ستحتاج في المقابل لتقديم تنازلات لـ معسكر الشرق الليبي. الإشكال الأكبر هنا، هو إضافة بند " ومؤسسات وطنية موحدة "، فـ هل المقصد توحيد المؤسسة العسكرية؟ وهذه مهمة تواجها عقبات عديدة، سياسية وبنيوية. أما عقبة الأحزاب السياسية، فـ عدم تضمين الاتفاق نظام القوائم في الانتخابات البرلمانية على الأرجح لن يمثل عقبة أمام مهمة البعثة الأممية، لغياب القوة والدور والفاعلية للأحزاب السياسية الليبية.
أيضا لم يتضمن نص الاتفاق الحديث عما إذا كانت الانتخابات البرلمانية والرئاسية ستُجرى بشكل متزامن أم غير متزامن، وهذا الغموض ليس في صالح الاتفاق. وإن كانت بعض التقارير ترجح إجراءها بشكل غير متزامن. وإن صح ذلك، فإن البدء بالانتخابات الرئاسية يطرح تساؤلات بشأن كيفية انتخاب رئيس للدولة قبل حسم شكل النظام السياسي واستكمال الترتيبات الدستورية اللازمة. ومن هذا المنطلق، يقترح البعض البدء بالانتخابات البرلمانية، بحيث يُنتخب البرلمان أولاً، وبعدها تُستكمل الترتيبات اللازمة لإقرار الدستور والذي بدوره سيحدد شكل النظام السياسي، هل برلماني أم رئاسي أم مختلط، وعلى أساسه يتم لاحقاً انتخاب رئيس الدولة.
الخلاصة
يمثل توقيع هذا الاتفاق تطورًا إيجابيًا ونوعيًا، حيث تضمن بنودًا محددة ومفصلة لآلية الوصول للانتخابات، وليس مجرد شعارات أو بنود عامة غير عملية. لكن في المقابل، تظل هناك عقبات وإشكاليات أمام تنفيذ هذا الاتفاق: أولها، غياب التوافق المؤسساتي حوله، في ظل معارضة مجلسي الدولة والرئاسي وتردد مجلس النواب بموقفه الفضفاض. ثانيها، موقف القوى الإقليمية والدولية المستفيدة من الوضع القائم، إذ يوفر لها الانقسام الليبي بيئة مواتية لتحقيق مصالحها. ثالثها، إشكالية تمرير الاتفاق من خلال مجلس الأمن، وما يفرزه من إشكاليات تتعلق بتصوير الحل الأممي باعتباره حلًا مفروضًا من الخارج، فضلًا عن احتمالية استخدام الفيتو الروسي. رابعها، تحديات تتعلق بمضمون الاتفاق، سواء صعوبة ضمان حياد المؤسسة العسكرية مع ترشح العسكريين، أو عقبة اشتراط إجراء الانتخابات في ظل سلطة تنفيذية موحدة، وأخيرا، عدم تحديد ما إذا كانت الانتخابات البرلمانية والرئاسية ستجرى بشكل متزامن أم غير متزامن. وكل هذه الإشكاليات مجتمعةً تضع عبئا على البعثة الأممية؛ فـ المهمة لم تنتهي بمجرد توقيع الاتفاق، وإنما الأهم تسويقه داخليًا وخارجيًا، وتوفير البيئة السياسية الملائمة لتنفيذه.
الرابط المختصر
استخدم هذا الرابط المختصر لمشاركة المقال.
